غيداء حمودة – وكالة عمون الإخبارية

في كل مرة يُطرح فيها مشروع جديد على طاولة النقاش العام في عمّان، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل نبحث عن مدينة تُشبهنا وتحافظ على هويتها، أم عن مدينة تُقاس حداثتها بعدد المشاريع والمنشآت التي تستعرضها أمام الزائر العابر؟
مشروع “التلفريك” الهوائي المُقترح لربط جبل القلعة (الأكروبوليس) بالمسرح الروماني وجبل اللويبدة، يعيد طرح هذا السؤال بإلحاح، ويستحق وقفة تأمل حقيقية.
جبل القلعة ليس موقعاً سياحياً عابراً، بل هو الذاكرة الحيّة لعمّان وقلبها التاريخي الذي تعاقبت عليه الحضارات منذ آلاف السنين، من معبد هرقل إلى القصر الأموي، وصولاً إلى المدرج الروماني الذي شُيّد ليكون مسرحاً لحياة المدينة العامة، حين كان الرومان يتصورون “فيلادلفيا” مدينةً متكاملة تنبض بالحركة والحياة في الأسواق والساحات والأزقة المحيطة بالجبل، لا مشهداً يُشاهَد من مسافة ومن ارتفاع.
هذا الإرث لا يُقاس بعدد الزوار الذين يمكن نقلهم في الساعة عبر كبينة معلّقة، بل بعمق التجربة الإنسانية التي يعيشها من يمشي في الأزقة، ويصعد الدرج، ويشمّ رائحة الحجر القديم ويتعجب عند مشاهدة الأعمدة والقصر الأموي العريق، ويخوض تجربة اجتماعية ثقافية مع أهل الحي لا بعيدا عنهم.
الصوت الذي يرتفع اليوم لا يرفض الاستثمار في السياحة، بل يطالب بأن يكون الاستثمار في المكان الصحيح: في جبل القلعة وأهله ومساراته ودكاكينه، في وسط البلد بتاريخه وهويته وأسواقه ومبانيه وتراثه. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يجعل من وسط عمّان مكاناً أجمل وأكثر جذباً للناس والسياح على حد سواء، لا مشروعاً معلّقاً في الهواء بلا قيمة مضافة حقيقية لأهل المكان.
والسؤال المهم: هل تحتاج كل مدينة إلى تلفريك لتثبت حداثتها؟ الناس تقصد بلاد الحضارات لتعيش التاريخ وتلمسه، لا لتركب التلفريك.
نحن نحب عمّان كما هي؛ بما مر عليها من تاريخ وتجارب إنسانية، ونحب الهوية البصرية لعمان القديمة ووسط البلد، وشارع الملك فيصل الذي شهد كبرى احتفالات المدينة، وعاش على جنباته كبار تجار البلد الذين بنوا دكاكينهم بأيديهم وتركوا حكاياتهم وقصصهم كجزء لا يتجزأ من تاريخ المدينة.
أحب عمان كما هي.. دون تشويه. أحب وسط البلد وأزقة الأسواق العتيقة التي لا تزال تنبض بالحياة من سوق منجو إلى سوق السكر وسوق الندى، وأحب الطريق المحاذي للجامع الحسيني والمؤدي إلى سوق الخضرة حيث أستمتع بسماع أصوات الباعة تنادي على أصناف الخضار، لا أن أنظر إلى السوق من فوق دون أن نعيش تجربته الحقيقية مع الشارع والناس والحجارة والأزقة.
أحب الطريق المؤدي إلى “هاشم” ومطعم “22” للساندويشات وخزانة الجاحظ في كل مرة أنزل فيها إلى وسط البلد.
أحب درج الكلحة الذي يصل ما بين وسط البلد واللويبدة بدكاكينه ومقاهيه ومطعم “عزوتي” الشعبي ضمن لوحة فنية تضمن لك تجربة جميلة وحية.
وفي آثار جبل القلعة أتأمل بيوت جبل الجوفة وشبابيكها المضاءة كل مساء وأقول لنفسي في كل بيت حكاية أو أكثر.
هذه الأماكن ليست مجرد نقاط على خريطة سياحية، بل تحمل ذكريات ورائحة أجيال كاملة عاشت فيها وارتادتها، وباتت زيارة وسط البلد لجيلنا بمثابة انتعاش للروح وتجديد للعلاقة مع عمّان.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس “هل نبني تلفريكاً أم لا؟”، بل: أين تكمن الأولوية الفعلية؟ في تلفريك لا ينتمي لهوية عمان البصرية ويُحلّق فوق التاريخ، أم في تحسين وتطوير دكاكين ومسارات جبل القلعة، وتأهيل مسار المشاة الروماني الرابط بين القلعة والمدرج؟ في صيانة شوارع وسط البلد التي تغرق كل شتاء، وإنارة أزقتها المظلمة، وتحسين أرصفتها لتصبح مؤهّلة لحركة الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة؟
لو وُجّه جزء يسير من كلفة هذا المشروع نحو هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في أثرها، لأصبحت عمّان أجمل بمليون مرة مما يمكن أن يمنحها إياه أي مسار تلفريك.
قيمة الآثار الحقيقية لا تكمن في تأمل حجارة صامتة من الأعلى، بل في إحياء التجربة الإنسانية والروحية التي عاشها الناس على هذه الأرض عبر العصور. عمّان لا تحتاج من يُعلّقها في الهواء، بل من يمشي في شوارعها، ويستثمر في أهلها وأسواقها وحكاياتها.