منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تبنت إسرائيل سياسة منهجية تهدف إلى تفكيك بنية الحكم المركزي لحركة حماس في قطاع غزة. هذا التفكيك استهدف المؤسسات الإدارية والأمنية والبلديات والمراكز الخدمية، ما أدى إلى انهيار منظومة الحكم وخلق فراغ سياسي وأمني غير مسبوق.
تراجع حكم حماس وصعود البدائل المؤقتة
استهداف البنية التحتية لحماس — من الوزارات والمجالس المحلية وحتى مقار الشرطة — تسبب في غياب سلطة مركزية قادرة على إدارة الشؤون المدنية. ومع هذا الفراغ، برزت العشائر واللجان الأهلية كبدائل مؤقتة لتقديم الخدمات وتنظيم الأمن، رغم افتقارها لبنية مؤسسية منظمة.
إسرائيل، بدورها، تحاول استثمار هذا الواقع ضمن استراتيجية “التوظيف دون التمكين”، وهي مقاربة تهدف إلى استخدام التكوينات الاجتماعية المحلية لإدارة الشأن المدني والخدمات الأساسية، دون منحها صلاحيات سياسية حقيقية. هذا التوجه يعيد إلى الأذهان تجربة “روابط القرى” في الضفة الغربية خلال السبعينيات، لكن بصيغة محدثة.
الجذور التاريخية لدور العشائر في فلسطين
الدور الذي تلعبه العشائر في غزة اليوم ليس جديدًا، بل يمتد إلى مراحل تاريخية متعددة:
- الحقبة العثمانية: نفوذ العائلات الإقطاعية الكبيرة، خاصة في المدن.
- الانتداب البريطاني (1917-1948): تعزيز دور العائلات السياسية والاقتصادية.
- مرحلة ما بعد النكبة وحتى النكسة: تراجع نفوذ العائلات التقليدية وصعود دور اللاجئين.
- الحكم العسكري الإسرائيلي (1967-1994): توظيف بعض العشائر والعائلات لضبط الأمن، مع اختلاف التجربة بين الضفة وغزة.
العلاقات المعقدة بين العشائر وحماس
بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007، أدركت الحركة أهمية احتواء العشائر ضمن منظومة حكمها. فأنشأت “الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح”، ودمجت الوجهاء والمخاتير ضمن هياكل رسمية محدودة الصلاحيات، لضبط دورهم وضمان ولائهم.
العشائر في غزة تنقسم إلى:
- عشائر بدوية مثل الترابين والعزازمة، ذات امتدادات قبلية في سيناء والنقب.
- عائلات حضرية كالشوا والصوراني، التي ركزت على النفوذ الاقتصادي أكثر من السياسي.
- عائلات كبيرة ذات ارتباطات فصائلية مثل دغمش وحلّس، التي دخلت أحيانًا في صدام مسلح مع حماس.
- عائلات اللاجئين التي تشكل نحو 70% من سكان القطاع.
الفاعلية المجتمعية في زمن الحرب
مع استمرار الحرب وانهيار مؤسسات حماس، ظهرت مبادرات محلية ولجان شعبية لإدارة الشؤون اليومية، خاصة في توزيع المساعدات وتنظيم الأمن في مخيمات النزوح. ورغم تعرض هذه المبادرات للاستهداف المباشر، فإنها تمثل نموذجًا لـ”الإدارة من الأسفل”، حيث يقوم المجتمع نفسه بملء فراغ السلطة.
السيناريو الإسرائيلي لما بعد حماس
تشير المؤشرات إلى أن إسرائيل تعمل على اختبار نموذج إداري لامركزي يعتمد على العشائر والمجموعات المحلية، خاصة في جنوب القطاع. هذه السياسة تهدف إلى تقليل احتكاك الجيش مع السكان، مع الحفاظ على سيطرة إسرائيلية غير مباشرة على الشأن المدني.
لكن هذا النموذج يفتقر إلى مقومات الاستدامة، لغياب بنية مؤسسية حقيقية، واعتماده على شرعية مؤقتة تستند إلى الضرورة الإنسانية. ومع ذلك، فهو يعيد تعريف دور العشائر ليس كبديل سياسي، بل كفاعل اجتماعي انتقالي في مرحلة ما بعد الحرب.































