وئام زيتون – الوثيقة
في خطوة لافتة أعادت تسليط الضوء على الدور الأردني المحوري في قضايا الإقليم، وقّع الأردن على ميثاق مجلس السلام لقطاع غزة، المبادرة التي أُعلن عنها برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
الحدث الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وإنسانيًا، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول أبعاد المشاركة الأردنية، وحدودها، وما إذا كانت تمثل تحولًا في الموقف أم امتدادًا لسياسة أردنية ثابتة، تستند إلى الرؤية الهاشمية الثاقبة التي طالما قرأت المستقبل قبل أن يصل.
الأردن: حضور محسوب لا خروج عن الثوابت
منذ عقود، يتعامل الأردن مع الملف الفلسطيني باعتباره أمنًا وطنيًا وسياسيًا وإنسانيًا، لا مجرد ملف خارجي. وعليه، فإن انضمام عمّان إلى مجلس السلام لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق التاريخي، ولا عن النهج الهاشمي الذي يقوم على الجمع بين المبدأ والواقعية.
المشاركة الأردنية جاءت ضمن إطار التأثير من الداخل، لا التفويض المفتوح ولا القبول غير المشروط، وهو نهج ينسجم مع الرؤية الهاشمية التي تؤمن بأن حماية الحقوق لا تتحقق بالصدام الدائم، ولا بالانسحاب، بل بالحضور الذكي في مفاصل القرار.
وتبقى الثوابت الأردنية واضحة وغير قابلة للتأويل:
• حق الفلسطينيين في تقرير المصير
• إقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني
• حماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية
• رفض التهجير والتوطين وأي حلول على حساب الأردن
الرؤية الهاشمية: قراءة المستقبل قبل وقوعه
ما يميّز السياسة الأردنية ليس فقط ثباتها، بل قدرتها الاستشرافية. فالرؤية الهاشمية، التي قادها جلالة الملك عبدالله الثاني، قامت دائمًا على التحذير المبكر من انفجار الأوضاع إذا غاب الحل العادل، وعلى التأكيد أن السلام المؤقت لا يصنع استقرارًا دائمًا.
من هذا المنطلق، تأتي مشاركة الأردن في مجلس السلام كجزء من:
• منع فرض حلول جزئية أو قسرية
• الحفاظ على الإطار القانوني الدولي للقضية الفلسطينية
• ضمان أن أي إعادة إعمار لغزة لا تتحول إلى مدخل لتغيير سياسي أو ديمغرافي خطير
مجلس السلام لغزة: مبادرة دولية أم اختبار نوايا؟
يُطرح المجلس كمنصة تهدف إلى وقف الحرب وإطلاق مسار سياسي جديد، لكن التجربة الطويلة في الشرق الأوسط تفرض حذرًا مشروعًا، خصوصًا في ظل غياب تفاصيل دقيقة حول:
• طبيعة الحل النهائي
• المرجعيات السياسية والقانونية
• تمثيل الفلسطينيين الحقيقي
وهنا تتجلى أهمية الدور الأردني، ليس كطرف تابع، بل كصوت عربي عقلاني، يحمل شرعية تاريخية وأخلاقية، وقادر على إعادة ضبط البوصلة داخل أي إطار دولي.
لماذا لا يستطيع الأردن الغياب؟
في منطق الدولة، الغياب ليس موقفًا، بل فراغًا يملؤه الآخرون. والأردن، وفق الرؤية الهاشمية، يدرك أن:
• أي حل لغزة سينعكس مباشرة على أمنه واستقراره
• أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية سترتد على الإقليم بأكمله
• أي مساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات خط أحمر غير قابل للمساومة
لذلك، فإن المشاركة ليست مجازفة، بل ضرورة استراتيجية.
قراءة هادئة بعيدًا عن الانفعال
في زمن الاستقطاب الحاد، تميل النقاشات إلى الانفعال والأحكام السريعة، لكن السياسة الخارجية تُدار بمنطق طويل النفس. والرؤية الهاشمية لطالما أكدت أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى على أنقاض الحقوق، بل على العدالة والشرعية الدولية.
الأردن لم يغيّر بوصلته، بل وسّع دائرة حركته.
دخل مجلس السلام وهو يحمل ثوابته، ورؤيته، وقراءته العميقة للمستقبل.
وفي عالم مضطرب، تبقى الرؤية الهاشمية صمام أمان، لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن استقرار طويل الأمد، يحفظ الأردن، وينصف فلسطين، ويمنح المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة الدم































