أريام النعانعه – الوثيقة
أن تنتقل فتاة بعمر الثامنة عشر إلى مدينة أخرى أو دولة أخرى، من بيت أهلها إلى سكن جامعي، ليس مجرد قرار دراسي.
هي خطوة تحمل قرارات صعبة وتحديات كبيرة: الاستقلال، المسؤولية، التعايش مع مجتمع مختلف، وربما مواجهة ثقافة ما زالت تضع علامة استفهام حول فكرة أن تسكن فتاة لوحدها بعيدة عن أهلها.
لكن بين من يرى هذه الفرصة تطورًا وتحديًا، وبين من يراها انحداراً في القيم، تبقى هذه التجربة قائمة تنتظر من يفهمها وليس من يحكم عليها.
وبعيدًا عن الأحكام المجتمعيّة، هناك أسباب أكاديمية تدفع الكثير لهذا القرار، مثل محدودية التخصصات في بعض الجامعات، يلجأ بعض الطلاب، خصوصاً الطالبات، إلى اتخاذ قرار الانتقال والدراسة في مدينة أخرى، بهدف تحقيق أحلامهم وإكمال تعليمهم.
وفي بعض الأحيان لا يكون هذا الإنتقال بدافع الرغبة، بل ضرورة فرضها الواقع الأكاديمي.
لكن في المقابل، يوجد من ترى أن في هذه التجربة فرصة لاكتشاف الذات، وتعزيز الاستقلالية، خاصة في ظل غياب التجربة المعيشية خارج نطاق الأسرة.
إن الحياة في السكن الجامعي ليست بهذه السهولة التي يتخيلها البعض؛ فالجلوس، والنوم، والذهاب للجامعة فقط ليست كل القصة.
فالطالبة تجد نفسها في دوامة من المسؤوليات التي لم تعتد عليها: تنظيم وقتها دون مراقبة، تدبير مصروفها الشهري بحذر، ومواجهة تفاصيل الحياة اليومية من تنظيف وطبخ ومواصلات، بل وحتى الشعور بالوحدة والحنين للأهل.
ولا يقل التعايش مع زميلات السكن تحديًا، فاختلاف الطباع والخلفيات الاجتماعية والثقافية، واحيانًا اللغة، قد يولد صراعات، واحيانًا صداقات، بحسب القدرة على التأقلم والانفتاح.
ومع كل هذه التحديات الحياتية التي تواجهها الطالبة، تأتي النظرة المجتمعية لتزيد أعباء التجربة، برغم أن فكرة سكن الطالبات خارج منازلهم أصبحت أكثر شيوعاً في السنوات الأخيرة، إلا أن نظرة المجتمع نحوها ما زالت تثير الجدل والتساؤلات، فالبعض ينظر إلى هذه الخطوة أنها نوع من التمرد والخروج عن العادات والتقاليد، ويخشى أن تفتح أبواب الانحراف أمام الفتاة وفقدان الرقابة الأبوية.
وفي المقابل، يرى آخرون أنها خطوة طبيعية في سبيل التعليم والنضج، بل ويعتبرونها تجربة ضرورية تصنع الثقة، وتولد شخصية قوية ومستقلة.
وبين هذه الآراء المتباينة، تعيش الطالبة ضغطاً نفسياً إضافياً، لا يرتبط فقط بتجربتها، بل بالحكم المجتمعي عليها.
كطالبة أعيش هذه التجربة بحلوها ومرّها، كنت أشعر أحيانًا أن نظرات الناس لا تهتم لظروفي بقدر ما تلاحق خياراتي وقراراتي. البعض يختصرني بقراري، وينسى أن لكل تجربة سياقها وضروراتها. لكن رغم التحديات، تبقى هذه الخطوة نقطة تحوّل، تصنع منك شخصًا واعيًا واقوى من كل التحديات، وتعلمك كيف تحمي حلمك وتكمل طريقك.































