الوثيقة – عمار العزام
منذ تسلّم جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999، أرسى جلالته رؤية واضحة للإصلاح الشامل وبناء مستقبل ديمقراطي مستدام في الأردن، بهدف تعزيز التحول الديمقراطي وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار. وقد تجلّت هذه الرؤية من خلال الأوراق النقاشية الملكية، وخطابات العرش، إضافة إلى المبادرات واللجان الوطنية التي شكّلت إطارًا إصلاحيًا متدرجًا ومنظمًا.
تهدف هذه المقالة إلى استعراض مسار الإصلاح السياسي والبرلماني في الأردن، مع التركيز على الأوراق النقاشية وخطابات العرش والمبادرات الوطنية، في سياق يعكس التوجه الرسمي للدولة نحو ترسيخ الديمقراطية وتعزيز دور المؤسسات الدستورية.
أولًا: الأوراق النقاشية الملكية
تُعد الأوراق النقاشية مبادرة ملكية هدفت إلى تحفيز حوار وطني شامل حول مسيرة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في الأردن، وبناء توافق وطني قائم على المشاركة والوعي والمسؤولية.
الورقة النقاشية الأولى
صدرت هذه الورقة تزامنًا مع الحملات الانتخابية للقوائم الوطنية والدوائر المحلية، حيث أكد جلالة الملك أن التنافس الانتخابي يجب أن يكون من أجل تحمّل المسؤولية العامة لا لتحقيق مكاسب شخصية. كما شدد على أن الوصول إلى ديمقراطية مكتملة يتطلب المبادرة البنّاءة، وقبول التنوع والاختلاف، واعتماد الحوار والتوافق.
ومن أبرز المبادئ التي ركزت عليها الورقة:
- احترام الرأي الآخر على أساس الشراكة.
- ترسيخ المواطنة من خلال ممارسة المساءلة.
- اعتبار الحوار والتوافق واجبًا وطنيًا دائمًا.
- الشراكة الجماعية في التضحيات والمكاسب.
الورقة النقاشية الثانية
أكد جلالة الملك في هذه الورقة أن أحد أهم جوانب التطور الديمقراطي يتمثل في الانتقال نحو نهج الحكومات البرلمانية، مع الالتزام بالتعددية السياسية، وصون حقوق المواطنين، وتعزيز مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات. كما أشار إلى التعديلات الدستورية التي طالت ثلث مواد الدستور، دعمًا لاستقلال القضاء وحماية حقوق المواطن.
وبيّن جلالته أن نجاح التحول الديمقراطي مرتبط بتطوير أحزاب سياسية برامجية قادرة على استقطاب ثقة المواطنين، وحدد متطلبات أساسية لذلك، من أبرزها:
- بروز أحزاب وطنية فاعلة ذات برامج قابلة للتطبيق.
- تطوير أداء الجهاز الحكومي على أسس مهنية وحيادية.
- تحديث الأعراف البرلمانية بما يخدم تشكيل الحكومات البرلمانية.
الورقة النقاشية الثالثة
تناولت هذه الورقة الطابع التراكمي لنهج الحكومات البرلمانية، وحددت أدوار الأطراف المختلفة، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ومجلس النواب، والحكومة، والمواطن. كما أشار جلالة الملك إلى ارتفاع نسبة المشاركة في انتخابات مجلس النواب السابع عشر، وإلى دور الهيئة المستقلة للانتخاب في تعزيز النزاهة.
وأكدت الورقة القيم الأساسية للتحول الديمقراطي، مثل التعددية، وسيادة القانون، وضمان عدالة الفرص السياسية، وأوضحت الحد الأدنى لمفهوم الحكومة البرلمانية من خلال خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة النيابية.
الورقة النقاشية الرابعة
ركزت هذه الورقة على الاستمرار في عملية الإصلاح المتدرج، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية التعددية وعدالة الفرص. كما شدد جلالة الملك على دور المجتمع المدني في مراقبة الأداء السياسي وترسيخ الثقافة الديمقراطية.
الورقة النقاشية الخامسة
عرض جلالة الملك في هذه الورقة رؤيته لترسيخ نهج الحكومات البرلمانية في إطار الملكية الدستورية، وأشار إلى محطات إنجاز مهمة، من بينها:
- إقرار تعديلات دستورية تعزز الفصل بين السلطات.
- تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب.
- إقرار تشريعات ناظمة للحياة السياسية كقوانين الانتخاب والأحزاب.
كما تناولت الورقة إصلاحات مؤسسية شملت تعزيز دور مراكز الدراسات البرلمانية، وتحديث بعض المؤسسات الوطنية ضمن إطار الإصلاح الشامل.
الورقة النقاشية السادسة
أكد جلالة الملك أن الإصلاح السياسي لا يكتمل دون ترسيخ مبدأ سيادة القانون، باعتباره الأساس للدولة المدنية، وركيزة أساسية للانتقال نحو حكومات برلمانية فاعلة.
ثانيًا: خطابات العرش
تشكل خطابات العرش مرجعية دستورية وسياسية مهمة، إذ يحدد جلالة الملك من خلالها أولويات الدولة، وخطط التنمية، ومسار الإصلاح السياسي. وقد ركزت هذه الخطابات عبر دورات مجلس الأمة المختلفة على:
- تعزيز الشراكة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
- توسيع المشاركة السياسية، خاصة للشباب والمرأة.
- تطوير القوانين الناظمة للحياة السياسية.
- ترسيخ ثقافة الديمقراطية والحوار.
كما أكدت خطابات العرش في المجالس النيابية المتعاقبة الالتزام بإجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، ودعم العمل الحزبي البرامجي، وتطوير الأداء البرلماني وصولًا إلى حكومات برلمانية قائمة على الأغلبية.
ثالثًا: المبادرات واللجان الوطنية
مبادرة الأردن أولًا
ركزت المبادرة على تطوير الأداء البرلماني، وضمان النزاهة، وتسريع إنجاز التشريعات، وترسيخ مبدأ إجراء الانتخابات في مواعيدها، إضافة إلى دعم مشاركة المرأة عبر نظام الكوتا بشكل مرحلي.
الأجندة الوطنية
قدمت الأجندة الوطنية رؤية إصلاحية لقانون الانتخاب، قائمة على التدرج نحو نظام انتخابي مختلط، يجمع بين الدوائر المحلية والقوائم الحزبية، تمهيدًا لبرلمان حزبي كامل.
لجنة الحوار الوطني
أسهمت اللجنة في إقرار تعديلات دستورية مهمة، من أبرزها:
- إنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب.
- إحالة الطعون الانتخابية إلى القضاء.
- تعزيز استقلال السلطات والفصل بينها.
- تهيئة البيئة الدستورية للحكومات البرلمانية.
اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية
أنتجت اللجنة مخرجات جوهرية، شملت تعديلات على قوانين الانتخاب والأحزاب، وتعزيز دور الهيئة المستقلة للانتخاب، وتكريس الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يدعم العمل الحزبي البرامجي ويعزز المشاركة السياسية.
يعكس مسار الإصلاح السياسي والبرلماني في الأردن رؤية ملكية واضحة تقوم على التدرج، وسيادة القانون، وتعزيز المشاركة الشعبية، وبناء مؤسسات دستورية فاعلة. وقد شكّلت الأوراق النقاشية وخطابات العرش والمبادرات الوطنية إطارًا متكاملًا لتطوير الحياة السياسية، وصولًا إلى نموذج ديمقراطي مستدام يعزز الاستقرار والتنمية، ويكرّس دور المواطن كشريك أساسي في صنع القرار.































