
ليست كل الاماكن مجرد عناوين، وليست كل المنابر مجرد مساحات للكلام. هناك اماكن تولد من فكرة، ثم تكبر الفكرة حتى تصبح موقفا، ويصبح الموقف مع الوقت ذاكرة لا يستطيع الزمن ان يمحوها. وفي زمن ازدحمت فيه الاصوات حتى كادت الحقيقة تضيع بين صخبها، يبقى السؤال الاكثر اهمية ليس كم قيل، بل ماذا بقي مما قيل.
هناك فرق بين من يكتب لان الكتابة مهنة، ومن يكتب لان في داخله شيئا يؤمن انه يستحق ان يصل. وبين من ينشئ مساحة لتزداد مساحة الكلام، ومن يؤسس منبرا ليمنح الكلمة قيمة ومهابة ومسؤولية. والفرق بين الاثنين ليس في الشكل، بل في الروح التي تقف خلفهما.
وحين يكون المبدأ هو نقطة البداية، يصبح النجاح نتيجة طبيعية لا غاية مستعجلة. فالمشاريع العظيمة لا تبدأ دائما كبيرة في حجمها، لكنها تبدأ كبيرة في رؤيتها، واضحة في رسالتها، عنيدة في ايمانها بما تريد ان تكونه. وما اجمل ان يبدأ المكان صغيرا في مساحته، لكنه واسع في افقه، كبيرا في مبدئه، راسخا في حضوره.
لقد اصبح الاعلام اليوم امام امتحان لا يشبه اي امتحان سابق. سرعة الخبر تسبق احيانا دقة الحقيقة، وكثرة العناوين قد تطغى على عمق الفكرة، وارتفاع الضجيج قد يجعل الصوت الهادئ يبدو غريبا. وفي وسط هذا كله تبرز قيمة المنبر الذي لا يتعامل مع القارئ باعتباره رقما، بل باعتباره عقلا يستحق الاحترام، وانسانا يبحث عن معنى لا عن مجرد معلومة.
وهنا تبرز تجربة رانيا جادالله، لا باعتبارها صاحبة مشروع اعلامي فحسب، بل باعتبارها صاحبة رؤية اختارت ان تمنح الفكرة وقتها، وان تترك للمشروع فرصة ان ينضج على مهل. فالمرأة التي تقف خلف مشروع حقيقي لا تقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تقوله التجربة عنها. والمشاريع الصادقة تكشف اصحابها دون حاجة الى تعريف طويل.
رانيا جادالله اختارت ان تبني شيئا يشبهها في المعنى قبل الشكل. شيئا يؤمن ان الكلمة مسؤولية، وان الحضور الحقيقي لا يصنعه ارتفاع الصوت، وان قيمة المنبر لا تأتي من عدد ما ينشر فيه، بل من قيمة ما يتركه في عقل القارئ ووجدانه.
وما يلفتني في هذه التجربة ان الطموح فيها لم يكن مجرد رغبة في الظهور، بل رغبة في بناء اثر. والفرق بين الظهور والاثر ان الاول يحتاج الى جمهور يصفق، بينما الثاني يحتاج الى فكرة تعيش بعد ان ينتهي التصفيق.
واقول انا: ان اجمل ما يمكن ان يفعله الانسان في هذه الحياة ان يترك خلفه شيئا يقول للذين سيأتون بعده ان هنا مر انسان كان يؤمن بما يفعل، وان المنابر الحقيقية ليست التي ترفع صوتها فوق الجميع، بل التي تجعل صوت الحقيقة مسموعا حين يتعب الجميع من الاصغاء.
وان الكلمة حين تخرج من ضمير حي لا تعبر الى عين القارئ فقط، بل تبحث عن مكان لها في عقله، ثم تستقر في ذاكرته، وربما غيرت شيئا صغيرا في نظرته الى الحياة.
لقد تعلمت من الكتابة ان الكاتب لا يختار المنبر دائما، فبعض المنابر هي التي تختار النص حين تجد فيه شيئا يشبه رسالتها. وحين تصل الكلمة الى مكان يؤمن بها، فإنها لا تكون قد وجدت صفحة تنشر عليها فقط، بل وجدت بيئة تمنحها فرصة اخرى للحياة.
ولذلك فان تقدير التجارب الاعلامية لا ينبغي ان يكون بحساب عمرها فقط، بل بما استطاعت ان تبنيه خلال ذلك العمر. فقد يكون هناك مشروع قديم لم يعد فيه شيء جديد، وقد يكون هناك مشروع حديث يحمل من النضج ما لا تحمله سنوات طويلة.
العمر لا يصنع العظمة وحده. المبدأ هو الذي يفعل. والفكرة حين تكون صادقة تستطيع ان تختصر سنوات في لحظة، وان تجعل البدايات المتواضعة تبدو في عين المستقبل كأنها كانت تحمل منذ ولادتها ملامح شيء كبير.
وهكذا تصبح المسيرة اكثر من اخبار ومقالات وعناوين. تصبح شهادة على مرحلة، ومرآة لمجتمع، ومساحة يتنفس فيها السؤال، ويجد فيها الفكر طريقه، وتستعيد فيها الكلمة شيئا من هيبتها التي اضعفها الاستهلاك السريع.
ولعل اجمل ما في الامر كله ان هناك من لا يزال يؤمن ان الاعلام يمكن ان يكون رسالة قبل ان يكون حضورا، وان الاختلاف يمكن ان يكون قيمة، وان الكلمة يمكن ان تكون جسرا بين الانسان وواقعه، لا مجرد صدى عابر في فضاء مزدحم.
وفي النهاية، لا تبقى المواقع لانها كانت موجودة، بل تبقى لانها تركت شيئا يستحق ان يبقى. ولا تبقى الاسماء لانها تكررت كثيرا، بل لانها ارتبطت بفكرة اصيلة واثر حقيقي. ولا تبقى الكلمات لانها قيلت، بل لانها وجدت في مكان ما قلبا او عقلا او روحا قالت بعدها… كان لهذه الكلمة معنى.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فكل مشروع عظيم كان يوما فكرة لا يراها احد، وكل اثر خالد كان في بدايته خطوة صغيرة لا يعرف صاحبها الى اين ستصل. لكن الذين يؤمنون بالمبدأ لا ينتظرون ان يصفق لهم المستقبل حتى يبدأوا، بل يبدأون لانهم يعرفون ان بعض الاشياء العظيمة لا تصنعها الشهرة، وانما يصنعها الايمان.
وما دام وراء الفكرة انسان يؤمن بها، فالبداية ليست صغيرة البداية فقط لم تصل بعد الى حجمها الحقيقي.
بقلم ✒️ د. عمّار محمد الرجوب